لقطات يومية.

اللقطة من فيلم The green ray 1986

أستيقظ من نومي وأعيد ترتيب رأسي. صور كثيرة، أحاول تذكر الحلم والواقع. ما فعلته أمس ليس حلمًا. ما رأيته في نومي ليس الواقع رغم أنني أتمنى ذلك. أستعيد ذاكرة اليوم، ماذا ينتظرني لأفعله؟ أتظاهر أنني أفعل ذلك لتنظيم يومي لكن سأعترف أنني لا أحب لحظة تذكر مهام اليوم. أحب أن أفكر أن أمامي يوم طويل من فعل اللا شيء. لطيف العيش في الخيالات، لكنني لا أستطيع سوى أن أنهض.

**

كوب الشاي بجانبي فقد حرارته منذ مدة. أسمع أغنية عنوانها: with my tears، صوت الفتاة ينتحب رغم أنني لا أفهم ما تقوله، ولا أشعر برغبة في البكاء، أشعر فقط أنها تمسح على قلبي. جهازي فوقي وأراجع الإجابات، رغبت بالتوقف لأنني لا أملك القوة للمواصلة، لكن العمل لن ينتهي بهذه الطريقة. الحلول الوسط، هذا ما يجب فعله دائمًا. قررت مراجعة الواجبات التي تبدو مكتملة، وإرجاء التي بها أخطاء كثيرة لوقت لاحق، هكذا أنهي جزءًا لا بأس به. ليست لدي فكرة عن ما سأفعله حين أنتهي، ربما سأشاهد فيلمًا لا أعرف حتى الآن ماهو، ربما سألجأ للكتاب بجانب سريري لئلا أواجه حيرتي، ربما سأستمر بسماع الأغنية نفسها والتلوين. أحد الأيام التي لا لون لها.

**

لا أبدو على مايرام، أترك النوم يسرق مواعيدي أو أسرق الأيام بنفسي وأصحو حين لا مواعيد تنتظرني. هذه المخاوف تغمّي على عيناي بعصابة تمنعني من النظر. أخاف أكثر مما يجب وأنتظر كل مرة أن تهدأ مخاوفي حتى أعود وأبتسم، أعدّ ضحكاتي لأتأكد أنني بخير وأراقب عيناي لأرى متى سينتهي هذا الجفاف وأستطيع البكاء وطرد كل هذا القلق. أخاف من كل شيء حتى أن الكتب تخيفني حين أقرؤها، حسين يقول أنه يخاف الجنون ويذكّر نفسه أن يُبقِ على الخيط، الخيط الذي يربطه بالواقع والخيط الذي في مكان ما هناك أرنبٌ يحاول قضمه. يخيفني وجود الآخرين حولي ويخيفني حين لا يكون أحدٌ حولي.

**

ينجح الجمال في تغيير شعوري حين لا يفلح شيءٌ في مواساتي، أتعزّى بالفنّ والجمال. كان وقتًا ثقيلًا هذا الذي قضيته في كره ذاتي مؤخرًا، وها أنا الآن، نجوت. في يدي طبق فاكهة لوجبة العشاء، في أذني لحن أحبه، في ذاكرتي ضحكات صديق، وعلى ملامحي يلوح حزنٌ منطفئ وتلمع عيناي رضًا من جديد.

**

عبير قالت لي أنها سعيدة لأنني قررت أن أتعزى هذه الأيام بالقراءة، أظن أنها من رقتها شعرت بأنني اخترت ملاذًا آمنا وأسعدها. قرأت منذ بداية هذه السنة أكثر من قراءتي للعام الفائت كله، لا أفهم السبب لكنني لا أنسى كل المرات التي أنقذتني فيها الكتب، وحين أستخدم فعل الإنقاذ فأنا أعني مسألة الإنقاذ بكل معانيها. الانتشال من حزن طويل ورتيب، منحي الرغبة في العيش مجددًا، منحي الرغبة عموما.

**

مرحلة استعادة الألَق. هذا ما أردت تسمية هذه الأيام به. بين ابتداء عطلتي وأيام الهدوء واستعادة وقتي معي، وبين أسفي على انغلاق باب فجأة كنت انتظرت أمامه طويلًا، ها أنا أحاول استعادة ألَقي. أخاف اليأس، لن أقول أنني لطالما كنت أمتلك الأمل لكنني فعلتها خوفًا من القنوط الذي يذيب الحياة في قلبي، خوفًا من الموات الذي أصابني لشهور طويلة حين تركت نفسي أمام هاوية اليأس أسقط دون احتماء، أو كما تقول دوبوفوار: “لم يؤمن بها على سبيل المروءة ولا بمقتضى المنطق، بل بدافع الحاجة.” لذا أتشبث الآن بمحاولات العيش، وأحتفي برغبات لا تهم أحدًا سواي، وأضع خططًا جديدة وكأن كل ما تكسّر كان لا يعنيني. في لحظات الحزن أفكر في كل الفرص والأحلام التي مهما سعيت لها تهرب مني، وفي لحظات الاتزان أتذكر ما يقوله الطيب صالح: “إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة. أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر. ثمة آفاق كثيرة لابد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء..”.

٢٧ يونيو.

حسنًا، قد تكون هذه التدوينة الأخيرة لسلسلة المذكرات الأسبوعية. بدأت من آخر أسبوع في فبراير، تسعة عشر تدوينة! أعدت حساب التدوينات خمس مرات حتى أتأكد أنني حقًا فعلتها طيلة هذا الوقت! ستكون بالتأكيد ضمن إنجازاتي لعام 2020. بالنظر لالتزامي كل هذا الوقت أشعر أنني أتحسن في الانضباط، ليست عادتي أن ألتزم بشيء بدون ملل، ربما لأنه لم يكن ملزمًا، كان رغبتي بالكامل لذا لم أشعر بالضغط أو القلق الذي ينفرني عادةً حتى من الأشياء التي أحبها. لم أضع أي توقعات لذا مضيتُ بالكتابة دون انتظار أي شيء بالمقابل. قررت أن تكون هذه الأخيرة لأن الملل صديقي المعتاد بدأ يزورني، وأنا لا أرغب أن تتحول كتابة هذه المذكرات لمهمة في قائمة مهامي. أرغب كذلك بالتركيز أكثر على الكتابة اليومية، التشافي بالكتابة كل يوم، كنت أستغني عنها بهذه المذكرات لكن أظن أن الكتابة كل يوم تساعدني أكثر. وعن المدونة لأنني لم أنشئها من الأساس بغرض تدوين المذكرات، سأعود حين أرغب بقول أي شيء وأظن أن هذا سيحدث كما كان يحدث منذ ٢٠١٦ وحتى اليوم.

أسبوعي الفائت كان ضبابيًا، أشعر أنني كنت أطفو على سطح الأيام، كانت مهام العمل أكثر، أفكاري فوضوية وأشعر بالإحباط من نفسي لأسباب كثيرة. حاولت التركيز على إيجاد الحلول وفشلت، ربما أحتاج وقتًا أكثر للتصالح مع نفسي.

أشاهد أشياء كثيرة، برنامج واقعي فرنسي على نتفلكس عن شيف يعمل في فندق الرتز كارلتون باريس ويقبل بتحدي الذهاب لأمريكا والعمل في (فود ترك)، أنيمي حياة سايكي-كيه من ٦ حلقات بدأته منذ شهر وانتهيت منه هذا الأسبوع أشاهده بالدبلجة الفرنسية وهذا سبب مشاهدتي تقريبًا (تتوفر الدبلجة مع تفعيل vpn)، برنامجي الموسيقي المفضل begin again وهو مايجعل هذه الأيام أخف وطأة، دراما reply 1988، وبالتأكيد يوتيوب. انتهيت من قراءة حكايات إيفا لونا لكاتبتي المفضلة ايزابيل الليندي، لا أنسى سعادتي باكتشافها مع سيرتها حصيلة الأيام في ٢٠١٣، مرّ كل هذا الوقت ولا زالت كتبها لا تخذلني. انتهيت كذلك من رواية اختراع موريل لكاتب أرجنتيني بتوصية من صديق، ربما ستكون أغرب رواية قرأتها من فترة طويلة، تعجبي من القصة يتكرر كل مرة أفكر فيها. كيف خطرت الفكرة بذهن الكاتب؟!

أنوي العودة لرفّ كتبي الورقية التي تجاهلتها لوقت طويل، والتخفف من أشياء وأفكار كثيرة. أكتشف كل يوم تقريبًا أنني أثقل على نفسي بتوقعات وآمال تستنزف طاقتي، وصراعي اليومي هو فلترة كل أفكاري ودوافعي وإعادة ترتيب الفوضى من جديد. ممتنة لتجربة كتابة المذكرات وتأثيرها، ممتنة لمشاعل لأنه لولا استمتاعي بما تكتبه كل يوم لم أكن لأفكر بخوض هذه التجربة.

٢٠ يونيو.

أسبوع لطيف ومسالم بعد فوضى الأسبوع الماضي. كنت في مزاج جيد لذا رغبت في فعل الكثير من الأشياء، واتسع وقتي لها. انتهيت من الموسم الأول لمسلسل Dead to me، قليلة جدًا المسلسلات الأمريكية التي أنتهي من مشاهدتها، غالبًا لأنهم يعتمدون الإثارة في القصة بشكل يصيبني بالتوتر، وأنا أشعر أن دور المسلسلات هي تخفيف قلقي أما إصابتي بالتوتر فلطالما كانت الحياة تؤدي دورها بإتقان. على العكس من المعتاد كان هذا المسلسل هادئًا، القصة ثقيلة لكنها مكتوبة بشكل جيد جدًا لدرجة أنني أستطيع القول أنه خفيف وممتع. سمعت حلقتين بودكاست بنصف ساعة للحلقة وانتهيت من آخر ساعتين في كتاب صوتي، وبدأت أراجع فكرتي عن مللي من الأشياء المسموعة لأنني أحببت جدًا كل ما سمعته! ربما كانت مشكلتي أنني لم أعثر على الشيء المناسب من البداية. الحلقتان كانت من بودكاستات فرنسية الأولى عن التقاطع بين اللغة العربية والفرنسية، والثانية عن ما استجد على اللغة الفرنسية بعد أزمة كورونا، موضوعاتي المفضلة تقريبًا. كتابي الصوتي كان Born a crime, stories from a south african childhood تحدث الكاتب عن نشأته في بيئة فقيرة وعنصرية للغاية، عن ذكريات حبه الأول وعمله الأول، عن عائلته وأمه تحديدًا. كان أغلب الكتاب تقريبًا عنه مع والدته. حين أود كتابة مراجعة عن كتاب كل ما أفكر به هو شعوري والتجربة التي عشتها أثناء قراءته، وأنا على يقين بأن لكل قارئ تجربته الخاصة. لكنني وجدت من كتب عنه مراجعة جيدة على قودريدز وعرّف بالكاتب لمن لا يعرفه، هنا. سعيدة وممتنة للكاتب لأنه قرر مشاركتنا هذه القصص وهذا الكتاب. وبما أنني وجدت تجربتي سهلة مع سماع الكتب ولأن اشتراكي في audible لم ينته -رغما عني طبعًا، لم أنتبه إلا لرسالة تم سحب المبلغ من بطاقة الفيزا- قررت كتابي التالي، كتبي التالية بصيغة أدق. لم أبدأ قراءتهم بعد لكنني متحمسة للتجربة. تفاصيل أخرى كثيرة كانت من أسباب بهجة الأسبوع، وربما فكرة أنني قررت فعل أشياء جديدة منحتني شعور الترقب اللذيذ للأيام القادمة. في المقابل تحدث أشياء أخرى تصيبني بالقلق، هذا الشعور أثقل من أن أحاول تقبله والتعايش معه لذا أختار دائمًا الانغماس في أي شيء آخر والتظاهر بأنه لا شيء يحدث.

اليوم تم الإعلان عن رفع الحظر الكامل عن كل مناطق المملكة، شعوري هو التوجس لكن بما أن حياتي لن تتغير تقريبًا أتمنى أن يكون هذا التغير للأفضل.

تساؤل الأسبوع: خفة وحرية التخلي عن الرغبة؟ أم عناد التمسك بشكل الحياة الذي نرغب به؟ أيهم الأصح؟

١٤ يونيو.

كان أطول من سبعة أيام فقط هذا الأسبوع، ثقيل ومتعب وحدّة التقلبات النفسية ليست ما أعيشه دائمًا. مللت من البحث عن السبب، لا شيء جديد وكل ما يحبطني هو هنا منذ وقت طويل.. لكن لا بأس، أقاوم بالحيَل نفسها التي تنقذني. محادثات الأصدقاء، الكثير من الموسيقى ويوتيوب والضحك وسائلي لتحمل الحياة. قراءاتي تعتمد على مزاجي لذا تعثرت في اختيار الكتاب التالي بعدما توقفت عن قراءة المريض الإنجليزي بسبب الملل، تركيزي يتشتت بسهولة وأشعر نفسيًا بالاحتراق الذاتي كما تقول صديقتي. بدأت بقراءة كتب متعددة وتركتها كلها قبل أن أكمل ١٠ صفحات. بطريقة ما انتهيت بالقراءة لـ ايزابيل الليندي. أنسى كل مرة كم تدهشني هذه السيدة وأنسى كم أحب القراءة لها.

أسحب نفسي للاستعداد للعمل وأداءه رغم ثقله نفسيًا علي، ألوم اختياري للعمل في إجازة الصيف وأكره أن حبي لنفسي كان أقل من أن أسمع صوتي الداخلي واخترت التعب على الراحة التي أحتاجها بشدة.

في الويكند بدأت بمشاهدة برنامج منوعات كوري موسيقي Begin again وخطة هذا الموسم أنه سيكون في كوريا فقط بدلًا من تحديد دولة مختلفة مثل كل مرة. مشاعر كثيرة غريبة بدءًا من تصويرهم الموسم مع أيام الجائحة، تجولهم في الأماكن الخالية، مشهد الحضور وهم في سيارات وبكمامات لتحقيق أقصى قدر من التباعد. دلتني على هذا البرنامج إحدى اللطيفات على تويتر منذ عدة أشهر، اقترحته لي صدفة حين كنت أسألها عن توصيات شيء آخر، لم أشاهده وقتها لكن مع بداية هذا الموسم شاهدت عدة أداءات في يوتيوب وأذهلتني. أحب الموسيقى وتأثيرها علي وتفاعلي معها يغير فيّ الكثير، لذا رؤية هذه الأداءات الحية وسط الناس بكل عفوية، وتصوير ردات فعلهم التي غالبًا تشبهني منحتني أجمل شعور بالمشاركة. أستطيع أن أرى أننا نتشارك ذات الحب وذات الشعور في نفس اللحظة التي نسمع فيها نفس الشيء. ممتنة لأنه أتى في الوقت المناسب.

أشعر أني وقتي يهدر بطريقة لا ترضيني، أحاول تحديد أولوياتي وترتيب الفوضى في داخلي وأفشل. تركيزي منعدم وحماستي لفعل أي شيء في أدنى مستوياتها. رغم ذلك أنا لا أزال أنجز ما ينبغي إنجازه كل يوم. أظن أن خطة تمرير كل يوم بدون توقعات ولا آمال عن ما سيأتي هي الطريقة المتاحة للاستمرار، خطة العودة للصفر هذه وبدء الاهتمام باليوم واليوم فقط، هذا ما سأفعله.

٧ يونيو.

بدأت الأيام تشبه بعضها، أو ربما كانت كذلك من قبل لكنني ألاحظها الآن مع العودة للعمل. يحبطني هذا قليلًا لأنه ليس اختياريًا، لكن العودة للسلام الداخلي والعيش على المسرات الصغيرة هي مهارتي التي كبرت وأنا أصقلها. أردت البدء بدراسة محاضرات عن الترجمة مسجلة على يوتيوب لكنني لم أجد وقتًا كافيًا ومناسبًا، بالمقابل نفذت كل بقية خططي، ممارسة الفرنسية أكثر، بدأت بدروسي في اللغة الكورية، قرأت ما خططت لقراءته وحافظت على روتين صباحي يناسبني وانتهى أول أسبوع من الفصل الصيفي بنتائج جيدة ولم تتوقف مهام المنزل عن التكاثر بالطبع. رغم هذا كله أشعر أنني فشلت لأن شيئا واحدًا لم أستطع تنفيذه.. وصلني على البريد إعلان من موقعي المفضل لدورات الأونلاين Future learn عن دورة بعنوان: Overcoming imposter syndrome، في التوقيت المناسب لشخص يشعر بأنه لا يبذل ما يكفي كل مرة. سجلت بالطبع لكنها ستبدأ بنهاية شهر جون لذا علي الانتظار.

انتهيت من أول كتاب في رباعية يوكيو ميشيما، صارت فكرة أن تموت الشخصيات بكثرة في روايات اليابانيين شيئًا اعتدته مؤخرًا. حين قررت قراءة الرباعية كنت أَعِد نفسي بقراءة أهم أعمال الأدب الياباني، وفكرة الغوص في عمل طويل كهذا في شوال الذي ينافسه في الطول كانت جدًا مغرية. ربما بسبب توقعاتي العالية هذه صارت النتيجة محبطة، لم تناسبني أجواء الرواية وواحدة من هذا النوع تكفي، لا أحتاج لأربعة أعمال من نفس النمط لأتأكد. عدت للقراءة العشوائية، فتحت تليقرام وحملت كتاب بدون أن أعرف كاتبه لكن رأيت أنه فاز بجائزة المان بوكر وليس لكاتب ياباني وبدأت بقراءته، رواية المريض الانجليزي لمايكل أونداتجي.. جيدة حتى الآن.

ألطف ما حدث في الأسبوع زيارتنا للبحر مجددًا، آخر مرة جلسنا في الواجهة كانت في آخر يوم من ٢٠١٩ حسب ألبوم الصور عندي، من بعدها كانت رؤيتي للبحر في المرات التي تتقاطع طرقنا بالسيارة فقط.. من كان يعلم أنها ستكون المرة الأخيرة حتى الأربعاء ٣ من سادس شهر في السنة؟ رؤية الناس متباعدين أو باقين في سياراتهم أمام البحر والجميع بكمامات كانت مشهد من لوحة سريالية، أو نكتة ثقيلة، أو أي شيء إلا أن أقتنع بأنها الحقيقة.

ليس لدي شعور محدد لكل هذا، أتأرجح بين تجاهل كل شيء والقلق من كل شيء. تصلني الأخبار عن معارف غير مقربين لعائلتي، فلان مصاب، جدة فلانة التقطت العدوى، ابنة الثالثة تقاوم مرضها الثقيل لئلا تذهب للمستشفى لأن مناعتها أصلا ضعيفة. صعب وثقيل يا رب، أنقذ عبادك بلطفك.

١ يونيو.

كان أسبوع إجازتي. نومي كان شبه منتظم بالنوم لعدة ساعات ليلًا والاستيقاظ مع الفجر ثم العودة للنوم حتى ما قبل العصر. كنت أقضي كل الوقت على السرير ماعدا لو احتجت لإنجاز شيء، أردت أن أسترخي فقط. يوم الجمعة جعلت وقتي كله للمشاهدة، أردت أن أمنح نفسي شعور المتابعة دون قلق من تأجيلي لعمل آخر، دون استعجال لنفسي ودون شعور بتأنيب الضمير الذي يأتيني عادة من دون سبب. شاهدت فيلم Paterson وبدا كأنه مذكرة يوميات على هيئة فيلم. بدأت مسلسل Dead to me على نتفلكس وكان جيدًا. بداية الأسبوع التالي كان موعد حفل سوبرجونيور الأونلاين، أول حفل أحضره لهم من المرة الأولى التي أحببتهم فيها، من سنتين تقريبًا. منحني هذا الحفل ذكريات عظيمة وسعيدة جدًا، شاهدته مع صديقتي في نفس الوقت وكنا نتراسل لنتشارك الشعور. ليلة الحفل وحماس كل المعجبين في مواقع التواصل وكل ردات الفعل بعد الحفل، كان يوم استثنائي بمشاعر سعيدة جدًا. ابتدأ الفصل الصيفي كذلك، أقلق بشأن صعوبة بعض الأمور لكنني أرغب في مواجهة الأمر وفعلها بأفضل ما يمكن. محبطة قليلًا لأنني مهما تُقت لأوقات فراغ أستطيع الاسترخاء فيها فإنها تنتهي بسرعة، لكن لا بأس، ستأتي مجددًا. كما تقول نوف اليحيى: “تمر بك أيام تتنفس من ثقب إبرة، مهام متراكمة ومهام جديدة، وتمر بك أيام أقصى ماتحتار فيه لون الورد الذي تشتريه! والثانية زادٌ للأولى.”

لا زلت أقرأ أول كتب رباعية بحر الخصوبة ليوكيو ميشيما، وأراجع قراري في إكمال الرباعية، وأستمع لكتاب Trevor Noah الذي بدأته من رمضان.

مع عودة الصلوات للمساجد وتقليص أوقات الحظر بدأت أسمع صوت الحياة من النافذة، ضجيج السيارات، إقامة الصلوات، أشعر ببهجة عودة الحياة لكنني لا أستطيع تجاهل قلقي الذي لا يزول من المرض ومن أن يصاب أحد الذين أحبهم به. يستنزفني هذا القلق، وأدعو أن تنتهي أسبابه عاجلًا وبسلام.

٢٥ مايو.

فكرت أن أكتب في التدوينة فقط: عيد الفطر، لأن التفاصيل كثيرة والكلمة هذه تصفها كلها. لكن تذكرت أنني أكتب للذكرى، وأن فكرة أنني سأتذكر كل شيء عند قراءة هذه الكلمة بعد سنتين هي فكرة غبية.

قبل العيد لم أكن على مايرام، أسبوع مليء بالمهام لتنظيف وإعداد المنزل للعيد، مع روتين الإرهاق والسهر والصيام، كنت مرهقة لدرجة أنني لا أرغب بفعل أي شيء أكثر، كل ما كنت أفكر فيه للعيد هو أنني “سأحاول” أن أبتهج ولو في ساعات الصباح فقط. كنت محبطة من اختلاف هذا العيد، من ضيقه الذي يمنعنا عن اللقاءات والاحتفال مع الآخرين، لكنني قررت أن أسعى للبهجة، وشاء الله أن يصبح يوم العيد الأول سعيدًا رغم كل شيء. بهجة إخوتي الصغار بالعيديات جعلت صباحي مشرقًا، وكل ما حدث في بقية اليوم من تفاصيل جعلتني سعيدة. ضحكت كثيرًا، رأيت كل الذين أحبهم في الصور أو مكالمات الفيديو، احتفلنا في المنزل، التقطت أكثر من ٤٠ صورة سيلفي، وبدا على وجهي الفرح، وسرَت عدوى فرحة الناس في قلبي. لا أرغب أن تكون كل أعيادي بهذا الضيق، لكنني ممتنة لأنه كان أفضل مما توقعت.

انتهاء رمضان يعني بداية إجازتي الحقيقية، ٧ أيام قبل العودة للعمل من جديد. ليس لدي مخططات سوى الاسترخاء والتمتع بانقضاء الوقت بدون مهمات كثيرة. تعديل نومي في هذه الأيام هو مشروعي الأول؛ أعرف كيف سيكون تأثير نومي على مزاجي ونفسيتي طوال هذه الأيام.

في كل سنة أرى فيلم العيد بعد انتهاء عيد الصباح الأول وقبل “غيبوبة العيد” لكن هذه السنة كنت متعبة فنمت أولًا. فيلم العيد لهذا العام كان الفيلم الإيطالي Life is beautiful، شاهدته على يومين، كان لطيفًا جدًا ومؤثرًا. وجود الأطفال في أي عمل أشاهده يجعله مختلفًا عندي ومميزا جدًا. بدأت بقراءة ثلج الربيع ليوكيو ميشيما، وفي خطتي أن أقرأ الرباعية كاملة متتالية لو لم يوقفني الملل أو قلة الرغبة. لا زلت أحاول ترتيب فوضاي وإعادة النظام لحياتي من جديد، لا أستطيع احتمال أيام طويلة من فوضى الروتين لذا حاولت كتابة خطط مبدئية لهذه الشهور حتى قدوم سبتمبر.

أشعر بالامتنان والرضا، والرغبة في منح هذا الشعور لكل من لا يجده لأي سبب.

١٧ مايو.

الأحد من جديد. أفقد تعداد الأيام بسهولة، وأحتاج لمنبه في هاتفي لأتذكر يوم الجمعة وقراءة سورة الكهف. الجيد أن هذه بالطبع من سمات الإجازة. أجلت كل توقعاتي من الإجازة لما بعد رمضان، ستهدأ أيامي وأصبح قادرة على التنفس وتحسين نومي وترتيب كل شيء من جديد بإذن الله. كان هذا الأسبوع متفرد بمزاج لكل يوم، لكنّ أفضل ما حدث فيه هو قبول الدراسة الذي وصلني وخبر حفل اونلاين لفرقتي المفضلة. تقلبات الحياة وتوقيتها كان دائمًا محطة تأملاتي، التدبير وتسيير الأمور بكيفية لا أفهمها ولكن أؤمن بها، ودائمًا كان هذا الإيمان سلاحي وعتادي.

لم أقرأ كثيرًا هذا الأسبوع، ابتدأت كتاب الضوء الأزرق لحسين البرغوثي وفاجأني سحر لغته كما فاجأني في المرة الأولى مع كتابه “سأكون بين اللوز”. في أول الصفحات تحدث عن ما سمّاه “القمر الأزرق” وأحببت الاسم، و تادا! أصبح هذا هو اسم حسابي الجديد على تويتر!

توقفت عن قراءة الأدب الياباني مؤقتًا، أخطط للعودة في شوال بكتب جديدة وأرغب في اختلاس الوقت لفعل اللا شيء في هذه الأيام. سعيدة لأن الخطة التي اقترحتها لي مانون بالعمل على تطوير لغتي لثلاثة أيام أسبوعيًا بمعدل نصف ساعة لكل مرة تناسبني جدًا، الالتزام بها سهل ولبساطتها لا أقلق كثيرًا بشأنها بل أفعلها برغبة واستمتاع.

يحدث الكثير مما لا أستطيع نشره، لكنني سأكتب أنها لم تكن أيامًا مُرة وأن سلامي النفسي في هذه الأيام وشعوري بالامتنان يغمران قلبي.

١١ مايو.

أنشر تدوينة هذا الأسبوع متأخرة جدًا، لكن لا بأس طالما أنني لا أتوقف عن الكتابة. لم تحدث الكثير من الأمور هذا الأسبوع. العمل ومهام المنزل ومحاولة اختلاس الأوقات للشعور بالهدوء. انتهيت من اختبار المادة والتصحيح والرصد، سعيدة لأن بقي أسبوع واحد وأغلق جوال العمل حتى منتصف شوال. وصلتني قهوة جديدة لذيذة طلبتها من أسبوعين تقريبا، ووصلت شحناتي لملابس العيد أخيرًا. ما عدا شحنة واحدة مع سمسا يبدو أنها لا تنوي الوصول وأنا أصلا مللت انتظارها وتتبعها. تفاءلت حين خُففت إجراءات الحظر بداية الشهر لكن يبدو أن الأمور لا تدعو للتفاؤل. أمنيتي الآن هي أن يأتي سبتمبر وهذه الأزمة انتهت، وحتى هذه الأمنية ربما كانت ساذجة وحالمة كذلك.

قرأت كتاب النباتية لهان كانغ بتوصية صديقتي عبير، الكتاب تركني مشدوهة تمامًا. القصة غير متوقعة، الفصل الأخير كان مذهلًا. ربما ما سأتذكره عن هذا الكتاب أنني كنت أتوقف أحيانا وأغلق الكتاب خشية أن أعلم أي مصيبة جديدة ستحل بهم أو أيت ذكرى من ماضيهم ستفتت كل توقعاتي عن القصة. كنت أتوقف لأنني أخاف من إكمال القصة! رواية تعطي قارئها هذا الشعور ليست عملًا عاديًا أبدًا. الطريف حولها أنها من الأدب الكوري، لذا كل شروحات المترجم في الهوامش عن بعض عاداتهم كانت مألوفة لدي، يعود الفضل للدراما الكورية طبعًا.

قرأت ذات مرة شيئًا حول الانتظارات التي تجعلنا نعيش بإحباط أقل، انتظار أشياء جيدة قد تحدث لاحقًا يجعل لتخطي أيامنا معنى ألطف وأخف، لدي انتظارات عديدة هذه الفترة تجعلني أشعر بالمواساة، مثلا:

٣ حلقات أسبوعيًا من درامات أحبها

كتب أستمتع بقراءتها حاليًا، وكتب خططت لبدئها في شوال وأتوق بحماس لأن أتفرغ لها

ألبوم أنتظر صدوره بلهفة في يونيو

حلقات من برنامج أحبه ستبدأ في ١٨ مايو، سأشاهدها في شوال غالبًا

إجازتي القادمة، عدم التفكير في شؤون العمل ولو لشهر على الأقل

خطط شخصية اخترت شوال لبدئها

_

قبل عدة أيام دفعت رسوم اشتراك في موقع فرنسي لمدة سنة، الفكرة الأولى التي خطرت ببالي حين قرأت تاريخ نهاية الاشتراك ٦ مايو ٢٠٢١، كيف ستكون أيامنا بحلول ذلك الوقت؟ حين أسمع في الأخبار عن احتمالية موجة أخرى من المرض قد تكون أشد مما قبلها أشك في أن الحياة قد تعود طبيعية قريبًا. لكن لا بأس. ستمضي هذه الأيام برحمة الله كما مرت كل الفترات القاسية من قبل.

٢ مايو.

من بداية كتابتي لليوميات هنا في المدونة قررت أنني لن أتساءل عن سبب كتابتي لها، أو الجدوى من تدوينها ونشرها هنا، قلت لنفسي أني سأترك اكتشاف السبب للوقت وسأواصل التدوين للمتعة الشخصية. هذا الأسبوع شعرت بالامتنان أنني فعلت، بالامتنان أنني دونت ونشرت في مدونتي المغمورة هذه تفاصيل قد لا تهمّ شخصًا سواي لكنها تحفظ ذاكرتي وتطلق قدرتي على التعبير والتحدث. منذ فترة طويلة كنت أشعر أني قدرتي على الكتابة تتلاشى وأنني لا أستطيع التعبير عن أفكاري لأن الكلمات لا تتشكل في رأسي كما يجب. الآن أشعر أنني ألحظ الفرق، أحب أن أكتب أكثر، وأستمتع حين تتوالى الكلمات لشرح فكرة ما أو شعور أو رأي.

لا أعلم كيف مر هذا الأسبوع، مكركب ومهما حاولت الخروج بيوم منظم وروتيني أشعر أنني أفشل. حزينة لأنني لم أتخيل أبدًا أن يكون رمضان شهر ركض أكثر من الشهور التي قبله. لكنني أحاول التأقلم وصنع لحظات جيدة حتى لا أفقد حلاوة الشهر.

تجربتي الجديدة هذا الأسبوع كانت سماع كتاب Born a crime: stories from a south african childhood لمؤلفه والكوميدي المفضل عندي Trevor Noah

أتذكر أنني عرفت عنه في المرة الأولى حين تحدثت عنه فتاة في تويتر وقالت أنه المفضل لديها لأنه ذكي في إلقاء النكات ويحترم السيدات، بالطبع سيبدو هذا شيئا مميزًا لأنني مهما حاولت التعرف على آخرين أجد نفس الابتذال والتندر بالسيدات بانتقاص وسخف. سماع كتاب صوتي بصوت مؤلفه كانت تجربة جديدة تمامًا، ورائعة! في كل مرة كانت تتغير نبرة صوته أو يقول العبارات بلحن مختلف أو حقيقي مثلا في حديثه عن ذكريات ذهابه الكنيسة مع والدته ووصفه لكيفية قولهم آمين التي تمتد لخمس دقائق حسب ذكرياته، قراءته لهذا المقطع وتلحين كلمة آمين كما يقولونها كانت مميزة! لو كنت قرأت كتابه هذا قراءة عادية كنت سأفوت على نفسي الكثير من المتعة بسماع قراءته التصويرية. الكتاب ممتع وقصص طفولته بالرغم من مرارة ماعاشه أحيانًا لكنها ظريفة جدًا ومضحكة. في المقاطع التي كان يشرح فيها الوضع القانوني أو القوانين الاجتماعية للحياة في جنوب أفريقيا كانت المفردات نوعًا ما غير مفهومة بالنسبة لي لكنني لاحظت أنها لا تؤثر على فهمي للقصص لذا تجاوزتها. مدة الكتاب ٨ ساعات، لم أصل للنصف بعد لكنني مستمتعة وسعيدة بالتجربة. أسمعه عبر audible، التجربة الأولى مجانية لمدة شهر لذلك اخترته وأشعر أنني فزت باختيار رائع.

عدا حلقات الدرامات التي تبث أسبوعيا شاهدت حلقات من How I met your mother، المسلسل الذي لا يفشل في كونه الخيار المناسب لمختلف مزاجاتي.

انتهيت من قراءة كتاب امرأة على الضفة المقابلة لميتسويو كاكوتا. أذهلني الكتاب لأنني توقعت أن يكون مملًا وبدأ بداية عادية لكن التحولات التي طرأت على الشخصيات كانت غير متوقعة. أجدد امتناني لكل امرأة تكتب، لأنني عبر ما يكتبن أجد نفسي وأتصالح مع أفكاري التي لم أتوقع أن تكون طبيعية لحد أن تشعر بها وتكتبها امرأة تعيش في النصف الآخر من العالم.

*الصورة في الأعلى لا علاقة لها بالمكتوب لكنها من غنائم تصفحي لتمبلر بكثرة هذا الأسبوع.