عن عُمر الخامسة والعشرين، وحكايا أخرى

في الثلاثين من أغسطس أبلغ الخامسة والعشرين..

كنت أفكر منذ مدة فيما يعنيه أن يصل المرء لسن الخامسة والعشرين، الربع من القرن، وهل سيشكل الأمر فارقًا عن بلوغ الرابعة والعشرين أو السابعة والعشرين؟ لا أعلم حتى الآن، لكنني في الخامسة والعشرين كما في كل عام عبرته من قبل، أحتفي بالمعرفة التي حصدتها، بالنضج والوعي الذي وصلته، ولو عبر الطريق الأشق والأطول.

إلا أنه في هذه السنوات الأخيرة، وبشكل أكثر كثافةً من قبل، شعرت بالتعب، لا أدري لو كان للأمر علاقة بالعمر، لكنني شعرت بالتعب الثقيل الذي يجعلني أشك في قدرتي على المقاومة للحصول على الحياة التي أردتها، ومدى جدواها في نهاية المطاف.

المصادفة الجيدة، أنني منذ مدة قصيرة مررت بفيلم ليس من نوع الأفلام الذي أشاهدها عادة، رأيت توصية له عبر تويتر واخترت مشاهدته لأنه فرنسي، وأصبح لاحقًا من الأفلام التي لا تمر بها دون أن يعلق شيء منها عليك.

اسمه Two days, one night

أعتذر مبدئيًا لأنني سأحكي نهاية الفيلم، لكن لأنها أدهشتني. المرأة التي قاومت الاكتئاب وتعافت منه، ثم عادت لعملها بعد إجازتها المرضية لتجد أن إدارتها طلبت من الموظفين تصويتًا إما بفصلها والحصول على علاوة أو إبقاءها والتخلي عن العلاوة، مرت الأحداث ومع رعبها في أول الفيلم من فقدان وظيفتها لأن ذلك سيعني ترديًا ماليًا هائلا لعائلتها، في نهاية الفيلم بعد معرفتها أنه تقرر فصلها، وأن جهودها للمحافظة على منصبها (قصة هذه المحاولات هي أجمل ما في محتوى الفيلم) ضاعت سدى، اتصلت على زوجها وقالت:

!On s’est bien battu, je suis heureuse

(لقد قاومنا جيدًا، أنا سعيدة)

لم تكن حزينة، كانت سعيدة، راضية بالمعنى الأدق لكونها لم تستسلم على الأقل، وقوية بما يكفي لتقرر البحث عن وظيفة أخرى من اللحظة.

كانت العبارة بشكل ما صادمة، هل المقاومة وعدم الاستسلام تحملنا نحو الرضا؟ ألم يكن التعب هو النتيجة الأكثر منطقية هنا؟ أعدت تشكيل أفكاري بعدها، ربما لا يجب علي أن أسمح لهذا التعب واليأس بالتمكن مني، لأنني حينها لن أصبح سعيدة لا بحصولي على الحياة التي أردتها ولا حتى بمعرفتي أنني لم أستسلم. دائمًا أمتن للفن الذي يعيد ترتيبي ويجعلني أمضي بعده بأفضل مما كنت قبله.

فكرة أخرى كانت تتجاذبني منذ مدة، منذ بدأت قراءة كتاب فيمديحالبطء، وحين بدأت أقارن ماحققته قبل بلوغي الخامسة والعشرين مع ما أردت فعلًا تحقيقه في هذا العمر. أعي مثاليتي، لست ممن يتساهل في الحكم على نفسه ولا في التعامل مع أخطاءه، لكنني أعرف أكثر أنني ابنة هذا العصر المجنون بالسرعة، وأن كل ما أشعر به من قلق واستعجال هو انعكاس للواقع الذي نعيشه، والذي لا يدع لنا فرصة للاستمتاع بهدوء دون الركض المحموم طوال الوقت.

لذا، قررت الاحتفال كذلك بالمشاريع التي لطالما طالبت نفسي بها، والتي لم أستطع تنفيذها لأسباب عديدة، حتى تخليت عن فكرة أنني يجب أن أنهيها في أقرب وقت. فكرة التخلي بالنسبة لي كانت غير واردة، عكفت على الرغبة والتخطيط والفشل لسنوات أحيانًا، وحين قررت ترك الأمر جانبًا حتى يحين وقته أو لأي سبب آخر، شعرت بالخفة غير المتوقعة. وحول هذا الأمر أشارككم نمط الحياة الذي أسعى جاهدة لتبنيه والذي صاغه بأبلغ العبارات الشاعر عبدالحكيم الفقيه في قصيدته: البسيطمنالعمر.

أخيرًا، أصلي لي ولكم من أجل أعوام بهيجة، ومليئة بالسعة.

الإعلانات

تجربتي في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية DALF C1

C5CCE8E3-CDC6-4407-B6AC-32BB24C11077

مرحبًا،

بدأت كتابة هذه التدوينة قبل دخولي للاختبار بأشهر، لم أكن واثقة من اجتيازه بعد، لكنني كنت أعلم بوجود فرصة أخرى لي. الاختبار كان يعقد مرتين سنويا (في يونيو ونوفمبر) ومن حسن حظي في ٢٠١٩ حُددت مواعيد 4 اختبارات بدل الاثنين، كانت مواعيدها: أبريل، يونيو، نوفمبر، ديسمبر. ولئلا أنسى تفاصيل البدايات بدأت بتوثيقها مبكرًا.

-إن لم تكن تعلم ماهو الاختبار، اقرأ هذه التدوينة

بداية،

تذكر:
١- حصولك على الدبلوم (شهادة الاختبار تسمى دبلوم) يأتي باجتياز ٥٠٪؜ من الاختبار، لذا لا تقلق كثيرًا بشأن كم ستحصل، بل بشأن الاجتياز من عدمه. وفعليًا لن يطلب منك أحد درجة معينة، فقط الاجتياز، كانت هذه المعلومة حافزًا لي عندما أردت الانسحاب أكثر من مرة بسبب القلق والخوف من الفشل.
٢- حاول أن تغلّب المتعة على القلق. أعد نفسي النموذج المثالي لمتعلم اللغات القلق، احتجت كثيرًا من الوقت لأتجاوز هذه الصفة وربما لم أتجاوزها بعد، ولأن أسبابي لتحقيق هذا المستوى في اللغة ليست فقط شخصية وإنما مهنية تنمر علي الشخص المثالي بداخلي لأختنق بمعاييره. إن كنت مثلي لم تسافر قط لفرنسا أو لدول تتحدث الفرنسية، ينبغي أن تفخر بنفسك أن حققت هذا المستوى في مكانك.

ملحوظة: هذه التدوينة من شخص دخل الاختبار مرتين، لم أجتزه في المرة الأولى بفارق نقطتين ونصف، كان السبب نفسيًا. شلني التوتر في جزء الاستماع ولم أستطع سماع المقطع الأول كاملا، وبما أن مدته ست دقائق ولا تكفيه مرة سماع واحدة، خسرت الكثير جدًا من النقاط ولم أجتز الاختبار. دخلته مجددا في يونيو، اجتزته بـ 60%، أردت أفضل من هذه الدرجة لكنني أعلم أنني لا أبلي جيدا حين يتعلق الأمر بالقلق والتوتر. راقب نفسك وإن كنت ممن يقلق كثيرا فتذكر أن الدرجة لا تعكس مستواك الحقيقي وإنما أفضل ما استطعت فعله في تلك الظروف.

نصائح :

١ اعرف آلية الاختبار، طرق الأسئلة ومواضيعها، Objectif: DALF C1 كتاب مدفوع لكنه قيم جدًا، متوفر إلكترونيا في IBooks وأمازون وغيرهم كما ستجدون في الرابط.

٢ احصل على كتاب تمارين للاختبار،كتاب Le DALF – 100% réussite – C1 – C2 أفضلهم لأنه أحدثهم إصدارًا، نسخة 2017 (لو كنتم في السعودية ستجدونه متوفرًا في المكتبات الفرنسية في جدة والرياض (ابيغرافيا مثلًا)، رغم ذلك لم أعثر عليه في جدة كان نافدًا وطلبته من مكتبة كينوكينيا في دبي. متوفر في أمازون كما في الرابط الأول) والكتاب الالكتروني الذي ذكرته من قبل مفيد جدًا حيث يقترح روابط عدة لمواقع تساعد على التدرب للاختبار.

٣ الحصول على مدرس شخصي خطوة مهمة، احتجت من أمارس معه التحدث ويصحح لي كتاباتي. حتى لو كنت في مستوىً متقدم، تحتاج أن تتدرب على آلية الاختبار، في التحدث كما الكتابة هناك معايير تتبعها وأشياء ينبغي أن تتواجد في عرضك. شخص يعرف الفرنسية بمستوى عالٍ قد يفيدك لكن الذي سيرفع حتمًا من مستواك هو شخص عمل في لجان تصحيح الاختبار ويعرف الدالف جيدًا. في حالتي كانت ماري هي المعين، موقع بريبلاي يوفر لكم عددًا من معلمي اللغة، اختاروا في الفلترة خيار الدالف وتواصلوا مع الأساتذة وابحثوا عمن يناسبكم. ماري استمرت معي لشهرين ثم مرضت وتعذر عليها الاستمرار. عثرت على مانون (عبر توصية في تدوينة لـ كاتي، وبالمناسبة مدونتها ثرية) وفيرونيك (بحثت ووجدتها صدفة)، كلتاهما رائعتان، مانون أكثر احترافية ودقة ودروسها أغلى سعرًا. في آخر شهر قبل الاختبار كنت أحضر معهن ٤ ساعات أسبوعيًا، مكلف ماديًا لكن نتيجته تستحق.

٤ توقف عن الشكوى وفكر فيما يمكنك فعله، مقولتي المفضلة منذ سنوات. من السهل الاتكاء والتذمر بشأن صعوبة هذا كله، لكن الأكثر فائدة هو أن تركز طاقتك في فعل أفضل ما تستطيع كل مرة ومحاولة تحسينه بشكل مستمر. كتبت نصوصًا محرجة ومارست التحدث وأنا أذوب خجلًا من كثرة أخطائي، لكن المرور بكل هذا كان ضروريًا، من العبث أن نطلب من أنفسنا بداياتٍ مكتملة لأن هذه لا توجد سوى في خيالنا.

٥ اسمع في كل شيء، (سأنشر قريبًا تدوينة عن مصادر للاستماع). الاختبار متنوع لذا استمع لعدة المجالات ولا تطالب نفسك بكل مصطلحاتها فقط خذ فكرة عنها. وحين تتدرب على الكتابة والمحادثة حاول أن تستخدمها.

٦ طور مفرداتك، استخدمت معي ماري طريقة ممتعة طبقتها معها ثم بدونها، اعرف مجموعة كلمات في سياق معين، أعد استخدامها بكتابة نص قصير أو في أثناء التدرب على تمارين التحدث، استخدمها بعد فهمك الجيد لمعناها، وظفها في كتابتك لتمارين الكتابة وسجلها في دفتر بجانبك ليسهل عليك الرجوع إليها. قرأت مقالات على مواقع الصحف الالكترونية، وحتى مقالات ويكيبيديا حين أردت التعرف على مجال معين. ينطبق الأمر على أدوات ربط الكلام Les connecteurs logiques، استخدامها في الكتابة والتحدث مهم جدًا، كنت أضعها بجانبي قبل أن أكتب وأحاول التنويع في الاستخدام كل مرة حتى أعتاد عليها.

٧ لا تكن مثاليًا، أتذكر في مرة كنت أناقش فيرو في حل تمرين وهي تصححه لي، قالت في ثنايا كلامها: هذا التمرين ليس سهلًا، النص صعب نوعًا ما والأسئلة محيرة، لكنه لم يكتب ليكون سهلًا أصلًا لذا حاولي. قالتها ومضت في كلامها، وعقلي توقف عندها لأنني لم أراعي نفسي بهذه الطريقة بل كنت ألومها أنني لم أفهم كل شيء بوضوح. توقعت أنني حين أجتاز الاختبار سأكون في مستوى مثالي في اللغة، التمكن التام أحد أوهامي التي لطالما طالبت نفسي بها، وفي المقابل تجاهلتُ النصيحة التي وردت في كل كتب الاستعداد للغة: تسامح مع نفسك حين لا تفهم كل ما تسمعه أو تقرأه في الاختبار، تسامح وتقبل الأمر ولا تجعله يقلقك أو يحبطك لأنه طبيعي.

٨ الاطلاع المستمر على الأخبار (يوميًا ممتاز لكن بين فترة وأخرى كانت طريقتي)

٩ مانون علمتني طريقة الاستماع الفعال لاجتياز جزء الاستماع في الاختبار بأعلى درجة، اسمع يوميا خمس دقائق واكتب ملاحظات تستطيع فهمها، الاستمرار هو أهم ما في هذا التمرين. هنا حين كتبت مانون عنه وعن أهميته، وهنا الموقع الذي كنت أستعين بمقاطعه في التمرين، وأحيانا أسمع الراديو RFI أو البث المباشر لفرانس 24 

١٠ ابدأ الاستعداد مبكرا، حتى لو كان مستواك متقدم ابدأ مبكرا. شهران قد تكون كافية في حال كان مستواك متقدم، ٤-٥ شهور جيدة جدا لو كنت تود رفع مستواك من متوسط إلى متقدم والاستعداد لاختبار. قد يبدوان نفس الشيء لكن أسئلة الاختبار لها نمط معين يجب أن تتمرن عليه، وعموما يجب أن ترفع مستواك في اللغة. البداية مبكرا تعطيك الوقت لاكتشاف أسلوبك في التطور وتخدمك في حال اصطدمت بظروف أخرتك. اكتشاف طريقتي في التعلم ومصادري المثلى احتاج مني كثيرًا من الوقت وخصوصا أن التجارب المكتوبة عن الاختبار في الانترنت جدًا محدودة.

١١ قد تحتاج ميزانية للاستعداد للاختبار، شخصيا صرفت قرابة ٤ آلاف ر.س أو أكثر، شاملة الدروس التي أخذتها وسعر رسوم الاختبار، والمصادر التي اشتريتها أو اشتركت فيها. لو اكتشفت طريقتي مبكرًا كنت وفرتُ على نفسي أكثر، لكنني في البداية استعديت للـ B2 ثم غيرت رأيي واستعديت للـ C1 . حجزت دروسًا مع شخص لا يعرف الاختبار ولم أشعر أن هذا يضيع وقتي ومالي سوى حين حضرت دروسًا مع غيرها ممن يعرف. ثم احتجت لإجراء دروس تجريبية كثيرة مع أشخاص مختلفين لمعرفة أكثرهم كفاءة وراحةً في التعامل حتى عثرت على مانون وفيرو، لو كنت عرفت هذا مبكرًا لم أكن بحاجة لكل هذا. وهكذا اشتريت أشياء ثم لم أعد أحتاجها وإلخ. مانون أخبرتني أنه ليس من المستحيل فعلها وحدي دون دروس مكلّفة، أنا أعرف أنني لن أنجز بهذه الطريقة، هي من النوع الذي استطاع فعلها مع إحدى اللغات التي تعلمتها. لذا أفضل أن يكتشف كل منا طريقته مبكرًا.

١٢ تحتاج الوقت دائما لتتطور. الاستعداد للاختبار لم يكن يعني لي سوى الحصول على الدبلوم، فيما عدا ذلك كنت أعرف أن مهاراتي بعد الاختبار تحتاج للتحسين والمواصلة، تذكر دائما أن تعلم اللغة هو طريق تمشي فيه وليس مكان تصل إليه. سمعت مرة هذا المقطع الحواري بين المدوّنة كاتي وصاحبة قناة French is beautiful وأحببت تشبيه اللغة مثل صديق حميم، كلما جلست معه أكثر كلما عرفته وفهمته وأحببته أكثر، الوقت هو كل ما تحتاجه والاستمرار هو الحل مهما بدت لك النتائج متأخرة، لا توجد حلول أخرى سحرية ولا طرق مختصرة.

١٣ لا تنسَ نفسك من التعلم بالاستمتاع، لن تكون دائما في المزاج الملائم لتقرأ نصًا وتحلله أو تسمع وتسجل ملاحظاتك، يمكنك ببساطة في الأوقات التي لا ترغب فيها بفعل شيء أن تلجأ لبودكاست تسمعه في طريقك أو فيلم تتابعه سواء بالترجمة العربية أو الفرنسية. شخصيًا كنت أفعل كل ذلك، وأحيانا أقرأ قصص تان تان حين لا أجد الرغبة لقراءة مقال. تقبل حالات هبوط معنوياتك وتعامل معها على أنها مؤقتة، وإن كنت تعمل مع مدرس للاختبار فسيكون من الجيد أن يطلب منك واجبات أسبوعية لتبقى منتجًا ولو بمعدل واجب واحد أسبوعيًا.

١٤ في يوم الاختبار عرفت معلومتان مهمتان: لا يكفي أن تتقن اللغة لتجتاز الاختبار (دخلت الاختبار مع سيدتان كلتاهما تتحدثان اللغة من الصغر ومع ذلك كلتاهما حضرتا دروسًا للاستعداد للاختبار. اللغة عامل مهم بالطبع لكن الاستعداد والتدرب لا يقل أهميةً كذلك. اقرؤوا تدوينة مانون هنا) وأنه حتى المتحدث الأصلي للغة قد يخطئ في حديثه ويستدرك خطأه. تذكروا أن هذا بالضبط ما يحدث معنا في العربية لغتنا الأم كذلك، لذا لا داعي من المبالغة في طلب الكمال.

وأخيرًا، سأرفق لكم روابط مدونة كاتي (تكتب بالانجليزية) التي استفدت منها كثيرًا فيما يتعلق بكيفية تطوير اللغة والتخطيط للاستعداد للاختبار، وتدوينة مانون (بالفرنسية)، التي تنشر محتوى مميزًا لتصحيح أخطاء شائعة أو تحليل النصوص المكتوبة والكثير الكثير مما قد يثري فرنسيّتك بلا مقابل. مانون كذلك لديها في تصنيفات المدونة تصنيفات تتعلق بالاختبار وأقسامه، لا تفوتوا المرور عليها.

كاتي _ مانون

وصولكم لنهاية التدوينة يعني جدّيتكم في التخطيط لدخول الاختبار، أتمنى بصدق أن تحظوا بتجربة ممتعة وثرية.

وأذكركم بالجملة التي أحبها:

“C’est en forgeant qu’on devient forgeron”

 

ماهو اختبار اللغة الفرنسية DALF C1 ؟

مرحبًا، 

لطلاب وطالبات قسم اللغة الفرنسية، أو لمن يتعلم اللغة بشكل حر، هذه التدوينة قد تفيدك فيما يتعلق بمعلومات حول اختبار قياس اللغة وآليته. المحتوى العربي يفتقر للمعلومات بشكل كبير، لكن لو كانت هذه التدوينة غير كافية أنصحكم بالبحث بالفرنسية أو الانجليزية (يمكنكم دائما ترك أسئلتكم في خانة التعليقات وسأجيب عن ما أعرفه)

ما هو اختبار الدلف سي ١؟ 

هذا الاختبار هو المستوى الخامس من ستة مستويات لدبلوم اللغة الفرنسية، مخصص للناطقين بغيرها لإثبات كفاءتهم في اللغة. أختار دائما تشبيهه باختبارات التوفل والآيلتس للانجليزية لأنها أكثر شهرة، مع اختلاف طريقة قياس كفاءة اللغة بالطبع.

المستويات من الأدنى للأعلى:

DELF A1

DELF A2

DELF B1

DELF B2

DALF C1

DALF C2

ماهي فائدته؟

مثل اختبارات قياس اللغة الانجليزية الآيلتس والتوفل، يُطلب الاختبار عادةً من الجامعات الفرانكفونية للطلاب الذين لا يتحدثون الفرنسية كلغة أولى (مستوى C1 غالبًا لطلاب الدراسات العليا، طلاب البكالوريوس وحتى بعض الجامعات في الدراسات العليا تطلب المستوى الأقل DELF B2). يُجري الاختبار كذلك متعلمي اللغات للحصول على الدبلوم وإثبات مستواهم. يُطلب أحيانا من جهات العمل التي تعتمد الفرنسية في مجال العمل.

كم مدة صلاحية شهادة الاختبار؟

دائمة.

نوع الاختبار:

إما علوم، أو آداب وعلوم إنسانية. يحدد المختبِر المجال الذي يرغبه.

(التفاصيل التالية في التدوينة ستكون لنوع العلوم والآداب الإنسانية)

متى يعقد وأين؟
عدة مرات في السنة، تواصلوا مع الأليانس فرانسيز (L’alliance francaise) في دولتكم لتعرفوا المواعيد المتاحة، ومواعيد التسجيل. يمكنكم العثور على معلوماتهم في جوجل على الأغلب.

كيفية التسجيل:

في فرع الأليانس الذي ستجرون في الاختبار. يستلزم التسجيل صورتان شخصيتان وجواز السفر، وتعبئة استمارة لدى المركز. رسوم الاختبار لهذا المستوى هي 650 ر.س -للمستويات الأقل تنخفض التكلفة-. تُدفع الرسوم وقت التسجيل ولا تسترد.

ماهي آليّته؟

يقيس الاختبار مهارات اللغة الأربعة لدى المختبِر، فهم المقروء والمسموع، والكتابة والتحدث. يجتاز المختبر في حال حصل على 50% فأعلى في مجموع درجاته من الأقسام الأربعة. على أن لا تقل درجته عن 5 من 25 في كل قسم.

طريقة سير الاختبار موحدة عادة، وهي كالتالي:

جزء فهم المسموع (25 نقطة) المدة الكاملة: 40 دقيقة

18 نقطة للجزء الأول، حيث يسمع المختبر مقطعا مدته بين 6 إلى 8 دقائق، مرتين فقط ويجيب على الأسئلة المعطاة. يتاح له كتابة مسودة، ويلزم تبييض الأجوبة خلال دقائق محسوبة. تتنوع الأسئلة بين مقالية (لا تتطلب الإجابة عليها إجابات طويلة) وموضوعية كالاختيار من متعدد.

7 نقاط للجزء الثاني، تستمع لمقطعين مرة واحدة لكل منهما، مدتهما دقيقتان أو ثلاث. ولكل مقطع 3 أو 4 أسئلة ينبغي حلها في وقت محدد كذلك.

(مجموع طول المقاطع للقسمين 10 دقائق)

جزء فهم المقروء (25 نقطة) المدة الكاملة: 50 دقيقة

أسئلة متنوعة بين المقالي والموضوعي، على مقال من 1500 إلى 2000 كلمة تقريبا في مجال صحافي أو أدبي. الأسئلة تقيس الفهم والملاحظة العامة والتفصيلية، وتتنوع بين أسئلة مفتوحة وصح أم خطأ (مع تدوين المقطع الدليل) واختيار من متعدد.

جزء الكتابة (25 نقطة) المدة الكاملة: ساعتان ونصف

في ساعتان ونصف، يُطلب من المختبر كتابة نصين، الأول ملخص (220 كلمة) لمقالين أو ثلاثة معطاة، تتناول ثيمًا واحدا ولكن من زوايا مختلفة. الملخص يجب أن يكون حياديًا، نقل للآراء مع محاولة تجنب استعارة جمل من المقالات، يسمح فقط بإعادة استخدام الكلمات المفتاحية. بقية الملخص يجب أن يكون بأسلوب المختبر وكلماته.

النص الثاني مقالة أو رسالة، كلاهما يجب أن يكون إقناعيًا، يطلب منك الكتابة حول موضوع المقالات نفسها للملخص ولكن بوجهة نظرك الشخصية. يجب أن تدعم المقال بحجج وأمثلة، وأن تكتبه تبعًا لطريقة معينة محددة لك في تعليمات الاختبار.

درجة الملخص: 13 – درجة النص: 12

جزء التحدث (25 نقطة) المدة الكاملة: ساعة ونصف

يُخيّر المختبر بين 5 مواضيع لا يراها، يختار منها بالقرعة اثنان، ويًكشف له الاثنان ليختار الموضوع الذي يلائمه بينها. بعد أن تُعطى ساعة لقراءة مقال الموضوع الذي اخترته، وتحضير عرضك، يبدأ الجزء الثاني ويمتد لنصف ساعة. يُطلب من المختبر إعطاء عرضه لمدة عشر دقائق فأكثر عن الموضوع – حين يختار موضوعه سيحتوي الموضوع على سؤال إشكالي تدور المقالات حوله، ويجب على المُختبِر أن يجيب عليه حسب رأيه- يبدأ بعد ذلك أعضاء اللجنة (اثنان في العادة) بسؤال المختبر إما لمحاولة تغيير رأيه أو التأكد من قناعته مما قاله، يُسأل عدة أسئلة توضيحية أو تطلب الإقناع بصورة أقوى، أو يُسأل عما قاله أو عن مدى فهمه لما يوجد في المقال الذي قرأه.

معلومة أخيرة: يقام الاختبار عادتين على يومين، يوم للأقسام التي لا تتطلب اختبار فردي (فهم المقروء – فهم المسموع – الكتابة) ويوم آخر لقسم التحدث. في حالتي لم يحدث هذا ربما لقلة عدد المختبرين، انتهيت من الأقسام جميعها في يوم واحد، كان هناك فاصل راحة لمدة ساعة بين الثلاثة الأولى والرابع.

لقراءة التفاصيل وأكثر عن الاختبار بالفرنسية: هنا ، وإن كنت تخطط لدخول الاختبار هذه التدوينة قد تساعدك!

Bonne préparation!

الحياة بوصفها قصيدة هايكو

blog.jpg

قرأت منذ مدة طويلة تدوينة للأستاذ فؤاد الفرحان يذكر فيها قصته في التحول من الشاب الذي يريد إصلاح العالم، إلى الذي يأمل فقط في تحسين ما يستطيعه في هذا العالم. أتذكر ذلك في كل مرة أرى مشروعه رسال لإهداء الورد وأتوق بشدة أن أملك هذا التأثير الرقيق على حياة الآخرين.

في وقت ما كنت أتصفح تويتر مثل أي مرة، الفرق أنني سمحت لنفسي بالتعمق أكثر وصرت أقرأ في حسابات أشخاص لا أتابعهم، ولم أكن لأتابعهم، كانت التغريدات من النوع الضيق الأفق المستهزئ بآلام أو خصوصيات الآخرين والتي لا أفهم حتى اليوم لم تمتلك ملايين المتابعين. كنت أقرأ لحظتها من باب الفضول، أقرأ وأفكر لأي مدىً يستطيع الإنسان أن يسمح لأخلاقه بالتردي بدون أن يحاسب نفسه لأنه لا يكتب باسمه الشخصي ويتخفى تحت اسم مستعار. كان الأمر مقلقًا بالنسبة لي، أعرف مساوئ مواقع التواصل ودائمًا أحاول الحد من تأثيرها عليّ، لكن مواجهة ذلك الكم من السوء تلك المرة آذاني أكثر مما غذى فضولي، ومع انقطاعي منذ مدة عن متابعة حوادث العالم غزت قلبي دفعة من اليأس مباشرة من أي تحسن في هذا العالم.

الآن مجددًا قررت العودة للفكرة التي أحببتها في تدوينة الفرحان، التوقف عن الأمل في الإصلاح الشامل، والبدء بتحسين ما نستطيعه، بنشر الجمال الذي نقدر أن ننشره، بالتعامل بلطف يخفف على الآخرين أيامهم بدل أن يزيدها ثقلًا.

استلهمتُ عنوان هذه التدوينة من الكتاب الذي أقرؤه (وسادة من عشب) لمؤلفه ناتسومي سوسيكي، يكتب ناتسومي عن شخصية تريد أن تتخفف لجزء من الوقت من الانفعالات العاطفية المصاحبة لتأمل الفن، وبدلًا من ذلك ترتبط بالطبيعة، حيث الجمال فيها لا يحث فينا أيت شعور سوى الصفاء، وحيث ينبع الشعر والفن والرسم في دواخلنا حينها دون أن نصنعه، فجمال الطبيعة فقط من بوسعه أن يجعلنا نرى الحياة كلوحة أو قصيدة بأعيننا فقط. ثم يعرج على القصائد التي يسميها شعر التسامي، الشعر الذي ينضح فيه التأمل ومظاهر الطبيعة، وأشعر أن بعض قصائد الهايكو اليابانية هي بالضبط ما أرى فيه هذا المعنى.

يقول الكاتب على لسان بطل روايته في هذا النوع من الجمال حديثًا ممتعًا:

“بيد أنه لا مهرب في المسرحيات أو الروايات العادية من العاطفة، فالشخصيات تتألم، وتهتاج، وتستشيط غضبًا وتبكي، وما يلبث المتفرج أن يتماهى مع ما يراه فيتألم ويهتاج ويبكي. (…) لحسن الحظ، يقدم الشعر الشرقي أعمالًا تجاوزت هذه المرحلة.

“أقطف أقحوانات أسفل السياج الشرقي،

وهادئًا أتأمل جبال الجنوب”

لدينا هنا مشهد خالص وبسيط، حيث عالم البشر مستبعد بالكامل ومنسي. في ما وراء هذا السياج النباتي، لا وجود لفتاة عند الباب المقابل تسترق النظر، ولا لصديق مشغول بمتابعة الصفقات التجارية بين تلك التلال. حين تقرأ هذا المشهد، تشعر بأنك اغتسلت جيدًا من عرق المصالح الذاتية الدنيوية، ربحًا وخسارة، في لحظة انعتاق فائقة.

“جالسا وحدي في غيضة الخيزران الكثيف

أمسكت قيثارتي وعزفتُ لحنًا

لا أحد يعرفني هنا في هذا الحرج

وحده القمر الوهاج أتى ليمنحني نوره”

في هذه الأسطر القليلة، شيّد الشاعر فضائل لكون آخر، وليست فضائل هذا الكون فضائل الروايات المعاصرة مثل هوتوتوجيسو أو كونجيكياشا، بل هي تضاهي فضائل نوم مترف، يحرر العقل الذي استنفده عالم البواخر والقطارات، والحقوق والواجبات، والأخلاق والآداب.”

 

حين أنهت أوليفيا لاونغ كتابها (المدينة الوحيدة) وبعد أن تحدثت عن الفنانين الذين عاشوا داخل قوقعة الوحدة وبالكاد تشافوا بالفن، قالت في النهاية: “علينا فقط أن نتذكر أن السعي للسعادة الفردية لا يعفينا من واجباتنا تجاه بعضنا البعض. نحن في هذا العالم معًا، هذه المحصلة من الندوب، هذا العالم الواسع من الأشياء والعناصر، هذه الجنة المادية المؤقتة، والتي كثيرًا ما تأخذنا إلى حافة الجحيم.

ما يهمّ فعلًا هو اللطف، ما يهم فعلًا هو التضامن

تجارب المرة الأولى!

ت2

هنا من جديد في محاولة لجمع لحظات العام المنصرم بالكتابة، أو ربما إيجاد أي مبرر للكتابة أكثر. وهذه المرة مبرري هو أن أجمع التجارب الأولى التي مررت بها في هذا العام في تدوينة، بعضها من الذاكرة والآخر مما احتفظت به في المفكرة أو استوديو الصور طوال العام.

  • المرة الأولى في الاستقالة من وظيفة، بدون أي خطة قوية بديلة سوى محاولات كنت آمل أن تنجح.
  • المرة الأولى التي أصعد فيها الطائرة ذهابًا لمدينة أخرى فقط للتقديم على وظيفة ودراسة.
  • المرة الأولى في تجربة نشر الترجمات المكتوبة على المدونة، والمرة الأولى في الترجمة لصالح مواقع أخرى، مثل هذه المقابلة التي نُشرت على مجلة جيل جديد
  • والمرة الأولى في ترجمة مقاطع يوتيوب بشكل شخصي (في 2017 ترجمت لصالح فريق أترجم)
  • المرة الأولى في قراءة كتاب كامل بالفرنسية، كل تجاربي السابقة لم أكمل فيها الكتاب
  • المرة الأولى في أخذ دروس لغة عبر سكايب
  • المرة الأولى التي عرفت فيها كيف أعتني بسلامتي النفسية
  • المرة الأولى التي أتحمس فيها لمعرفة أحد الفنانين ولقائهم 😊
  • المرة الأولى في شراء كتب فرنسية ورقية، تجاربي السابقة جميعها كتب إلكترونية
  • المرة الأولى في الشروع بقراءة كتاب من 3000 صفحة (البؤساء بنسخة الخمس مجلدات)، وصلت لمنتصفه وانتهى العام : (
  • المرة الأولى في كتابة تدوينات تجارب شخصية!
  • المرة الأولى التي أقضي فيها عمرة كاملة وحدي
  • المرة الأولى التي أشارك فيها بتأليف كتاب؛ كانت مع كتاب التجربة والتكوين وفريق عمله المميز.
  • المرة الأولى التي أحصل فيها على جهاز لابتوب بمواصفات من اختياري بالكامل، كل أجهزتي السابقة كانت إما هدايا أو مشتركة مع شخص آخر في العائلة
  • المرة الأولى التي أحصل فيها على قصة شعر أكون راضية تمامًا عنها
  • والمرة الأولى التي أجرب فيها قص شعري بنفسي، وحدي. -ليست نفس المرة السابقة بالطبع-
  • المرة الأولى التي أمارس فيها التدريس الأكاديمي
  • المرة الأولى التي أمارس فيها اليوغا!
  • المرة الأولى في لقاء صديق عرفته من سنوات
  • المرة الأولى التي أحب فيها زبدة الفول السوداني، والفضل بالطبع يعود لـهذه اللذيذة
  • المرة الأولى التي أحب فيها قهوة الاسبريسو بدون حليب
  • المرة الأولى التي أحضر فيها TEDx  وكان من نصيب TEDxKAU بدعوة من صديق عزيز، يمكنكم البحث بنفس الاسم على يوتيوب والعثور على المقاطع كاملة.
  • المرة الأولى التي أكتشف فيها يوتيوب وثراءه بشكل حقيقي
  • المرة الأولى التي أشعر فيها بطعم الاستقلال المادي الحقيقي
  • المرة الأولى التي أنتظم فيها بشكل شبه كامل في الكتابة في مفكرة! طبعًا كتابة المهام مرحلة متقدمة لذا كنت أكتب الأشياء المميزة والأيام الفارقة

هذا ما توصلت إلى جمعه وتوثيقه، آمل أن تكون السنة الجديدة حافلةً بتجارب أولى أكثر متعةً وغنًى لي ولكم جميعًا : )

مفضلة الكتب والكُتّاب 2018

مكتبتي

هذه المرة الأولى التي أكتب فيها تدوينة من هذا النوع، الحديث عن مفضلات الكتب والعام المنصرم وماحولها. شعرت بالحماسة في ديسمبر لفعل أشياء مختلفة، كان أحدها كتابة هذه التدوينة. وها نحن هنا.

قبل أن تستمروا بقراءة البقية، يمكنكم الاستماع لهذه المقطوعة الرقيقة هنا، رافقتني في أوقات كثيرة وأثناء كتابة هذه التدوينة، آمل أن تعجبكم

لا زلت أحاول تصديق أن كل ما جرى منذ يناير وحتى هذا اليوم كان في عام واحد فقط، كانت مرتفعات ومنخفضات عديدة ومربكة، بعض الأمور جرت ولله الحمد بأفضل مما أردت، لكنها لم تكن سنة تُنسى.

قراءتي في 2018 كانت أقل من الأعوام السابقة، لأسباب أظن أحدها استبدال القراءة بالمشاهدة، لا زلت أرى كلاهما ثريّان وملهمان ولا أستطيع تفضيل أحدهما على الآخر، كلاهما نافذتان أعرف من خلالهما الحياة. خططت في يناير 2018 لقراءة 60 كتاب -العام الماضي قرأت 49 كتابًا- وانتهى ديسمبر بمحصلة 33 كتاب تقريبًا، لا بأس به طالما أن كمّ المادة المرئية ارتفع عن الأعوام الماضية.

وبالحديث عن الكتب، سأذكر بعض مفضلاتي واكتشافي لمؤلفين رائعين، منهم مثلًا:

كازو ايشيجيرو، قرأت له للمرة الأولى روايته بقايا اليوم، لا أزال أتذكر أجواءها، وبينما كنت أتوقع محتوى يابانيًا متأثرة باسم الكاتب أُفاجأ بمحتوى بريطاني بحت، لم أكن أعرف أن الكاتب بريطاني من أصول يابانية. سبب قراءتي له على ما أذكر هو الرغبة بمعرفة الكاتب الفائز بنوبل 2017

فكرة الكتاب الأساسية هي مساءلة النفس بعد مضيّ العمر، هل ما فعلناه هو الصواب؟ هل ما اعتقدنا أنه الصواب كان كذلك؟ ربما أحببته لأنه ذكرني بجوليان بارنز وكتابه الرائع الإحساس بالنهاية. هناك رابط ما بين هذين الروايتين رغم اختلافهما.

عرفت في هذا العام أيضًا المذهلة سوزانا تامارو، قرأت لها كتابان، أولا بدأت بروايتها: اذهب حيث يقودك قلبك، وكم كانت مرهقة وجميلة في نفس الوقت. أتذكر أنني كنت أقرأ الصفحات وأتوقف لألتقط بعد الهدوء لقلبي، لأن ما تكتبه سوازنا كان مؤلمًا وصادقًا جدا. قرأت بعدها لذات المؤلفة كتاب قصص قصيرة (صوت منفرد) ولا تزال هي نفسها، تكتب آلام الآخرين وتضع القارئ في مواجهتها مع ضميره وروحه. كلا الكتابان من ترجمة القديرة أماني فوزي حبشي وإصدارات سلسلة إبداعات عالمية التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت وكانا من إصدارات هذه السنة.

قرأت هذه السنة أيضًا بالمصادفة ودون أي معرفة مسبقة سيرة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا، لا أذكر لم بدأتها دون أن أعرف الشخص الذي سأقرأ سيرته، ربما كانت من المرات التي احتجت فيها قراءة سيرة ذاتية لأي أحد، واخترت ما أمامي دون أي بحث. العظيم في الأمر أنني أحببت هذه السيرة جدًا، حتى وأنا لست مهتمة كثيرًا بمشاهدة الأفلام فضلا عن تتبع حياة مخرجيها. كان كوروساوا حتى في حديثه عن أفلامه يطبع شخصه وإنسانيته وأفكاره، لذا لم يكن مملًا أبدا قراءة الأجزاء المتعلقة بالأفلام. وبالطبع سبق ذلك حديثه عن نفسه وحياته وعائلته، سيرة تنقلك لأجواء مختلفة ومؤثرة.

في الكتب غير الروائية أحد أفضل ما قرأته هذا العام: الوعي – مقدمة قصيرة جدًا لـ سوزان بلاكمور، ومن الكتب الفرنسية كان كتاب جان دورمسون L’enfant qui attandait un train رقيقًا جدا (الطفل الذي كان في انتظار قطار)، لم تصدر له ترجمة عربية بعد.

وأخيرًا، من أكثر الكتب المملة التي قرأتها في هذا العام كان: وهذا أيضا سوف يمضي لمؤلفته ميلينا بوسكيتس وكتاب كي يواجهوا الشمس المشرقة لـ جون ماكغرين، لا مقارنة بين الكتابين لكن ما يجمع بينهما الملل.

كانت هناك بالطبع العديد من الكتب الأخرى المميزة، هنا يمكنكم الاطلاع على قراءات السنة وإحصائيات قودريدز اللطيفة التي تصدر نهاية كل عام.

وعام جديد مميز لكم جميعًا!

 

ستيفان زفايغ، كاتب البورتريهات

zwig

عثرت على هذه المقالة في ملفّ العدد لمجلة لير الفرنسية، والذي كان يدور كله حول ستيفان زفايغ وسيرته وحياته وأعماله. ورغم أن المقال يتناول ستيفان زفايغ المؤرخ وكاتب السيَر، إلا أنني لا أظن أنه اشتُهر عندنا بكونه مؤرخًا، لذا ترجمت المقال عن هذا الجانب غير المشهور للمؤلف.

_

مثل مصور بورتريهات موهوب، كتب ستيفان زفايغ حياة عدد من الأعلام التاريخييّن واستطاع بتقمصه العاطفي لهم وقصه بأسلوب سلسٍ أحداث حياتهم جعل السيَر التي كتبها تلقى قبولا وتقرأ بسهولة. يعود الفضل لجزء كبير من شهرة زفايغ إلى تصنيف السيرة التاريخية الذي يكتبه، حيث كان الدرب الأسهل الذي عبر إليه منه الكثير من القراء. فبدلا من السير الكلاسيكية المثقلة بقوائم من المصادر، يوفر لنا ستيفان زفايغ نصوصا قصيرة مرويّة ببراعة ومؤثرة بفضل اعتماده لأسلوبي البورتريه والمقالات.

لكن انتقائيته في اختيار الشخصيات التي يكتب عنها كانت غريبة. فنحن نتساءل ما الخيط المشترك الذي قد يربط بين هؤلاء الراحلين، بين راسموس وماري ستيورات مثلا؟ قدّم زفايغ بنفسه في الواقع في كتابه عالم الأمس جوابًا لهذا السؤال:

“في السيَر التي كتبتُها ما كان يشدّني هي الشخصيات التي نجحت ليس في الجانب العملي من الحياة وإنما تحديدًا في الجانب الأخلاقي. لهذا كتبت عن إراسموس بدلا من لوثر، ماري ستيورات بدلا من إليزابيث، كاستيليون بدلا من كالفن.*”

فليكن، ولكن كيف نفسر أنه اختار مع هذه النخبة السامية جوزيف فوشيه وماجلان وماري انطوانيت وميشيل دي مونتين؟ هؤلاء الذين سيكون النظر في تناقضاتهم الأخلاقية مضيعة للوقت؟ كلّ هذا لا يهم، ليس المهم السبب الذي اختلقه زفايغ للكتابة عنهم، الأهم هو السحر الفريد لأعماله، موهبته الفذة حين رسم حيواتهم، والعاطفة التي تتجلى عنده لهؤلاء الأعلام التاريخيين الذين كانوا موضع تقديره واحترامه.

ومع ذلك، لا نستطيع ألا نتفاجأ من السبب الذي دعاه للكتابة عن جوزيف فوشيه الذي اعتقد الآخرون أن سيرته لن تلقى ترحيبا عند القراء الألمان، حتى أنه هو نفسه زفايغ نبه الناشر من أنه ينوي طبع خمسين ألف نسخة للطبعة الأولى، لكن الناشر رأى أن الأمر يستحق وبالفعل حقق نجاحًا هائلا. أما الظروف التي دعته للكتابة عن المصير المأساوي لماري ستيوارت فقد كانت غريبة؛ ففي أثناء إقامته الثانية في لندن عام 1935م وقع على كتاب لسيرة ستيوارت كان صادمًا جدًا، ثم قرأ سيرة أخرى رائعةً جدًا. وهذا ما دعاه إلى الرغبة في تقصي الحقائق بنفسه، وكتابة نسخته هو من سيرتها.

وبتواضع ساحر، يتساءل زفايغ عن القيمة الحقيقية التي بني عليها نجاح أعماله، وجوابنا على ذلك هو أنه لا يكتب إلا ما يؤمن بأهميته وصدقه، وكمثال في كتابته لسيرة ماري أنطوانيت قال:

“لقد تحققت من كل فواتير حساب النفقات الشخصية للملكة، ودرست كل ما ورد في الصحف وكافة النشرات التي نشرت في ذلك الوقت، وبحثت في كل إجراءات محاكماتها من أول سطر إلى آخر سطر، لكن في كتابي المطبوع لن تجد أثرا لأي سطر من هذا. لأن عملي بالكاد يبدأ بعد المسودة الأولى للعمل، حينها أبدأ بالتنقيح والتجميع نسخة بعد أخرى ولا أشعر في أي مرة أنني فعلت ذلك بشكل كاف.”

إذًا هذا هو سر براعة ستيفان زفايغ في صنع جواهره الصغيرة هذه من السير التاريخية، ولكن ربما يكمن سحرها أيضا في سر آخر. ألم يكن زفايغ يأمل في كتابته عن مونتين مثلا، أن يجد أمثلة من الحكمة في التعامل مع الأوقات العصيبة وأيام الصراع؟ ونحن اليوم، ألسنا نبني شيئا من الأمل رغم المستقبل الذي ينذر بالشر؟

مارك ريجليت – مجلة لير – مايو 2016

* في كل هذه المقارنات الثلاثة كان الطرف الذي اختاره زفايغ هو الخاسر بين الاثنين، لذا يركز على أهمية النجاح الأخلاقي عنده.

__

الهامش من إضافة المترجم

 

الكتابة “ضد الإرهاب” – أورهان باموق

إنني خائف جدا من تلاشي تأثير الرواية والشعر أمام واقع الرصاص والقنابل. في الحقيقة، إن القصة أو القصيدة التي تُكتب فقط من أجل “التصدي للإرهاب” نادرا ما تكون جيدة أو تملك قيمة راسخة مع مرور الوقت. كتب دستويفسكي روايته (الشياطين) كردة فعل على أعمال عنف قام بها بعض الطلاب. لكن بما أن هدفه كان لانتقاد توجهات ومطالبات المستغربين من الروس آنذاك، ولأنه دستويفسكي، ظلت الرواية من الأعمال المميزة التي تواجه الإرهاب، وهذا لا يحدث إلا نادرا. لكن رواية العميل السري حيث يتجسس البطل ويندس في صفوف الإرهابيين، لم تكن أفضل روايات جوزيف كونراد.

بينما كنت أكتب أولى رواياتي في إسطنبول في الأعوام 1970 كانت الحرب الباردة لا زالت متواصلة في شوارع إسطنبول متخذة شكل قتالات عديمة الرحمة بين الناشطين الشباب اليمينيين واليساريين. في كل يوم كنت تستطيع سماع طلقاتهم وقنابلهم تُفجر، ثم تقرأ موجز ما حصل في صحيفة اليوم التالي، ليتملكك الإحباط وتتتساءل عما إذا كان للأدب أي دور حقيقي. ولكن لا، للأدب أهمية ليست بقليلة. لا ينبغي أن نترك للحزن الذي يجتاحنا على ضحايا الأحداث الهمجية الأخيرة لداعش، ولا للغضب الذي نشعر به ضد الإرهابيين أن يلقوا بظلالهم الكثيفة اليائسة على حبنا للأدب. لقد هاجموا فرنسا هذه المرة، فرنسا التي أنتجت أعظم أدب في العالم لقرابة قرنين، من المريح أن نعرف أن الحياة فيها عادت طبيعية وكأن شيئا لم يحصل.

في الفترة التي كنت فيها أكتب أولى رواياتي، اعتدت أن أغلق النوافذ لئلا أسمع صوت القنابل، وأن أتجنب قراءة الصحف قبل انتهاء النهار لئلا أُحبط ولا أتمكن من مواصلة تأثيري البسيط المتواضع. علينا نحن الكُتاب أن نتعلم كيف نبقى حساسين إزاء الفظاعات التي يرتكبها البشر، لأن القسوة الإنسانية لا تقل تأثيرا عن الخيال الإنساني. نشعر فعلا حين نواجه الإحداث الإرهابية الشنيعة واللاإنسانية برغبة عارمة بالتضامن، بالمقاومة ومواجهة كل المتطرفين بشكل سريع وصارم. لكن علينا أن نتبع حسنا الأخلاقي، أن نتصرف على أساسه، وأن نتوحد مع الآخرين ضد هذا الإرهاب المنظم، أو حتى نحاول أن نتسامى فوقه كما فعلت باريس حين تصرفت بعده بطبيعية. لكن حين نقاوم، فلنقاوم كمواطنين أكثر من كوننا كتابا، كأشخاص ذو ضمير حي، ولذا فإن أسوأ ما نفعله هو أن نكتب عملا من أجل حادثة معينة.

بعد سنوات القنابل والرصاص في صباي، حاولت صياغة مشاعري في عمل روائي، لذلك كتبت (الثلج) و (البيت الصامت). […] على فرنسا أن لا تتخلى عن قيم الجمهورية والحرية بعد هذه الأعمال الإرهابية، ولا عن الأدب الذي هو بنظري أحد أكبر قيم فرنسا. فقراءة فلوبير ستظل دائما عزاء لنا، فلوبير الحكيم المتزن في وجه البلهاء من شتى الأشكال.

الجزء الأول من المقالة (هنا)

 لولا الكتابة – إنعام كجه جي

image1

في جواب على السؤال الذي طرحته مجلة لير الفرنسية -في عدد يناير 2016- على عدد من الكُتاب الذين تتعرض بلدانهم للحروب، عن جدوى الكتابة في ظل كل هذا العنف والدمار. أترجم هنا ردود الكُتاب، وأُفرد لكل منهم تدوينة مستقلة.

إنعام كجه جي (كاتبة روائية وصحفية عراقية)

للوهلة الأولى، تبدو الكلمة المكتوبة واهنة جدًا أمام رصاصة. الأدب بوصفه أداة للإبداع والجمال، هل يستطيع أن يتصدى للعنف؟ حيث الرعب والدناءة؟ 

لكن حين أعيد قراءة السؤال، أتذكر الجبهة الثقافية التي أنشأها المثقفون العراقيون في سنوات النار والدم والحرب، النار التي لم يكن بإمكان أحد التنبؤ بانطفائها. في ذلك الوقت، وجد المؤلفون والفنانون والشعراء الشباب أنفسهم في وضع حرج مع توالي الحروب سواء العسكرية أو حروب المليشيات، فالمطابع لم تعد تصدر سوى أعمال الحرب والإعلانات. ولإحباطهم من كل هذا، لم يملك محبو القراءة إلا شحذ مخيلتهم لابتكار تنظيمات جديدة: نسخ الكتب خلسة حين وصولها من الخارج بآلات نسخ مستعملة تُستورد من دبي.

وهكذا، قرأنا الكتب المقرصنة. مئات من الروايات ومؤلفات الشعر، دون اعتراض  مؤلفيها. عند من كان هؤلاء المؤلفون سيتذمرون؟ في بلد تهدمت منازله وبيعت بنيته التحتية لدول مجاورة؟ هؤلاء الكُتاب سواء من العرب أو من غيرهم – مثل نعوم تشومسكي الذي أبقى على تواصل جيد مع المؤلفين العراقيين- كانوا واعين أنهم بتجاوزهم يساهمون في دعم الجبهة الثقافية بالقوة والأمل في مواجهة كل هذا العنف والدم.

في وقت سابق، وفي لقاء مع غابرييل ماركيز في مهرجان “كان” حيث كان أحد أعضاء لجنة التحكيم، أخبرتُه أننا في بغداد نقرأ (مئة عام من العزلة) بترجمتها العربية. أجابني أنه لم يكن يعلم بصدور الترجمة العربية، وقال أنه سيتجاوز عن هذا لقراء بغداد “الذين هم أحفاد ألف ليلة وليلة. الكتاب الذي وجدته طفلا في مكتبة جدي والذي أحيا فيّ الرغبة بقص الحكايات.”

وعودة للحرب، فقد كتب المؤلفون والشعراء العراقيون – حيث يعد الشعر رياضة شعبية في العراق- نصوصًا عن البرودة القاسية ليلا في جبال الشمال، حيث كانت القراءة على ضوء متأرجح لشمعة بمثابة منقذهم الوحيد، وهي التي أمدتهم بالرغبة في العيش أكثر.

أما الكاتبات من النساء فهن إن لم يشاركن في هذه الجبهة الثقافية فقد كن يخضن حروبهن الخاصة وحدهن. كتبت النساء عن الجوانب الأكثر حميمية في الدراما العراقية، عن الوحدة في البيوت التي خلت من الأزواج، عن الإقصاء عن أبنائهن، وعن الموت الهمجي الذي حصد أرواح أحبابهن. كتبن عن الحنين لأيام السعادة والرخاء قبل الحرب، التي قضى عليها الآن تفشي الفقر المدقع.

ومن دون الكتابة، كان الفقر سيطال أرواحنا. هذا هو ما يدفعني، ويدفعنا جميعا لمواصلة البقاء على طريق الكتابة، الفعل الإنساني الذي يحمينا من هذه الرياح الهوجاء اللا إنسانية من المتطرفين.

وأنا لا زلت أحلم، أن يقرأني يوما متطرف ما، ويراجع نفسه.

*في الصورة مكتبة عراقية.

اعترافٌ بالخوف

غلفتُ حياتي بالحذر، حتى نسيت كيف أُقبل على الحياة وأتعاطاها بخفّة. كان الخوف دائمًا هو السبب، هو العلّة والمشكلة. خفت الخيبة، فتوقفتُ عن العشم. خفت الإحباط، فكففتُ عن التمنّي. خفت الفشل، ولم أعد أحاول. خفت أن أقع، لذا لم أعد أحلم. خفت أن يبتعد عني الذين أحبهم، لذا هزمني صمتي. خفت أن يبتلعني اليأس، لذا توقفت عن الاعتراف لنفسي بأني حزين. خفت أن أُهزم، وتوقفتُ عن الدفاع عن حقي. خفت أن يهزمني خوفي، لذا لم أنتبه حين خسرت كل هذا بسبب الخوف. 

كنت دائمًا على حافّة الاكتئاب، حافّة الهلع، وفي كل مرة أنجو، كنت أصلي لئلا أنتكس مجددًا، وحين أفعل، أنسى كيف نجوتُ في المرة السابقة. خسرتُ من أيامي الكثير وأنا قلقٌ ومستنفدٌ من تحصين نفسي ضدّ كل ماخفتُه، منهكٌ من بناء كلّ هذه الأسوار لئلا يصل لي الشعور الذي أهرب منه، حتى اكتشفت لاحقًا أنني أضعت وقتي هباءً، وأن الذي كنت أهرب منه هو الحياة التي يجب أن أعيشها وأتقبلّها. لم أُشفى من مخاوفي بعد، لكنني بدأت أتخففُ منها، بدأت أفهم أنني أطلب من الحياة ضماناتٍ أكثر مما يمكن للحياة أن تعطيني إيّاه. بدأت أعي أنني أمتلك قوة أستطيع أن أقف بها بعد كل سقوط، وأنهض بها بعد كل عثرة، قوةً لم يمنحني الخوف فرصةً لأعرفها وأعيش بها. وتذكرتُ أنني أستطيع عند كل انكسار أن أرفع بصري للسماء، لأجد الله دائمًا يسمعني، ويُنجيني.