مطر ربيعٍ متأخر

صباحاتي منذ وصلني كتاب بريد الهايكو الياباني تبدأ به، أقرأ عدة مقاطع من الهايكو، من الخيال المرتبط بالطبيعة دائمًا، قبل أن أبدأ اليوم. تعطيني هذه المقاطع شعورًا عذبًا بأمور لن أفكر بها لو لم أقرأها، وأستطيع الآن العودة لصور كثيرة في رأسي كان منشأ تخيّلها هذه الأبيات. ولأن عادة أحلامي أن تسرق مادّتها من واقعي، حلمت بأمطار الربيع في الليلة التي في صباحها كانت ثيمة صفحات الهايكو أمطار الربيع. استيقظت سعيدة، كان الحلم منعشًا وصورته لا تزال في ذهني، شعوره كعادة الأحلام كان حقيقيًا ولطيفًا، مطر رقيق متواصل، ومكان لا أظن أنني زرته لكن ربما رأيته في صورة ما. على الأقل سأرى الطبيعة في أحلامي وأشعر بها، إن كان الواقع فقيرًا في هذه المدينة المليئة بكل شيء سوى الطبيعة. أحيانًا أحب فكرة الأحلام حين تأتي رقيقةً هكذا، حين تكون من ذكريات/تخيلات أحبها وأريدها، أرى أشخاصًا أحبهم وأستمتع بالحديث معهم، أعيش تجارب أنتظرها، وأحيانا أتساءل أي شيطان هذا الذي في عقلي يجعلني أرى فوضى كل ما أفكر فيه وشاهدته وقرأته بخليط غريب وغير متناسق ويستمتع بإرباكي.

*

في السنة الثالثة من العمل في نفس المكان، بدأت أرى المساوئ بوضوح وأسمح لنفسي بالاعتراف بها. كل مايحدث كان يحدث منذ وقت، لكن عقلي كان يخبرني دائما أن علي أن أكون ممتنةً فقط. قررت التصالح مع الشعور بالغضب. أرى بوضوح كيف يسعى الفرد فيهم خلف بريق الألقاب والثناء فقط ومن خلفه الطوفان. لا اعتراف بمجهود الفريق، لا احترام لأوقات الفرد، ولوم دائم وكأن كل ما تفعله لا يساوي شيئًا. يومًا بعد يوم يخفت بريق المزايا التي كنت أتمسك بهذه المهنة لأجلها وأتساءل كل مرة إن كان هذا يستحق؟ ثم أرتطم بالجدار الآخر، مالذي يمكنني القول عنه أنه فعلًا يستحق؟ هل الخيارات الأخرى أفضل؟ كيف يمكنني أن أعرف؟ المنطقة المعهودة التي كلما تجاوزتها عدت إليها.

*

رأسي معبأ بالكلمات. ما إن تمرّ علي في مكان ما ويغمرني تأثيرها حتى لا أعود أستطيع نسيانها. أفهم مالذي يقصده بطل رواية بول أوستر حين كان يبرر حبه للكتب أكثر من الأفلام، الكلمة أقوى تأثيرًا من الصورة، على الأقل بالنسبة له ولي. قرأت في تدوينة أن “النفق الذي في آخره ضوء يتلوه نفق آخر”. كانت هذه العبارة إجابة التساؤل الذي ألهب رأسي طوال أيام. وفي رواية كتاب الأوهام ذاتها لپول أوستر كتب: “وحين لا يكون لدى المرء ما يصبو إليه، يمكن أيضًا أن يكون في عداد الأموات” وتوقفت مذهولة لأن هذه التطلعات مهما صغُرت هي التي تعطيني دافعًا للعيش.

أردت التعبير عن ما أجده مذهلًا في كتب أوستر، منذ سنوات بدأت القراءة له ولا زلت أعرف كل مرة ألجأ إليه أنه لن يخذلني. لكنني حين أحب شيئًا أفقد الكلمات للتعبير عنه وقول ما أشعر به. من الطريف أنني أفعل ذلك حتى في الكلام، في شدة انفعالي للتعبير عن شيء أشعر أن فيضانًا من الكلمات والأفكار يوشك أن يتحرر، ثم أتلعثم، ولا أستطيع نطق أي كلمة حتى أتوقف وأعيد الكرة. دائمًا تخيلت أن الكلمات تتدافع في فمي لتخرج لذا حين أحاول قولها أتعثر بتشابكها وأتلعثم. حرّرني هذا الخيال من خجلي كل مرة أتأتئ فيها، وطالما أنها تأتي فقط في حال انفعالي تصالحت مع الأمر.

وبالحديث عن الكلمات التي تعلق بنا، في إهداء كتاب (الجين، تاريخ حميم) الذي قرأته صديقتي، ومن شدة إعجابها به حكت لي عنه وصوتها يمتلئ ذهولًا، روَت لي ماكتبه الكاتب في الإهداء ولم أنسه من حينها. كتب:

“إلى …. التي عرفت الأهوال، وإلى … التي عاشتها.” من الغريب أن أتذكرها بوضوح رغم أنني لم أرى حتى الصفحة التي كتب فيها هذا.

تفضيلات الأسبوع من الهايكو:

يا لتناول الشاي وحيدًا

كل يوم تتفضل

فراشةٌ بالمجيء

*

يا لِفرخ الغراب

بمهارة يتزحلق

تحت أمطار الربيع

*

من أكمام قمصانهم

تتساقط أزهار الكرز

أطفال الريف

*

لا يكترث حتى قليلًا

بتساقط أزهار البرقوق

على وجهه السَّخوط

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s